أبي منصور الماتريدي
560
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فعلى ذلك القصاص ؛ لقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 191 ] ، وما روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ مكّة حرام بتحريم الله إيّاها يوم خلق السّماوات والأرض ، لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلّ لأحد بعدى . وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار . لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفّر صيدها » « 1 » . وما روى عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : « لو ظفرت بقاتل عمر في الحرم ما قتلته » وإذا قتل في الحرم يقتل به هنالك « 2 » . والوجه فيه : أن إقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق ؛ إذ هي كفارة ؛ لينزجر عما ارتكب ، وأحق ما يقع فيه الزجر بمثله ، ما هو فيه من المكان . وإذا قتل في غير الحرم ، ثم التجأ إلى الحرم - قال أبو حنيفة - رحمه الله - لا يخرج من الحرم . وأبو يوسف « 3 » - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان ، ذهب إلى أنه قال : وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4 / 46 - 47 ) كتاب : جزاء الصيد ، باب : لا يحل القتال بمكة ، حديث ( 1834 ) ، ومسلم ( 2 / 986 ، 987 ) كتاب : الحج ، باب : تحريم مكة وصيدها ، وحلالها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام ، حديث ( 445 / 1353 ) . وأبو داود ( 2 / 6 ) كتاب : الجهاد ، باب : في الهجرة هل انقطعت ، حديث ( 2480 ) ، والنسائي ( 7 / 146 ) كتاب : الجهاد ، باب : ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة ، والترمذي ( 4 / 126 ) كتاب : السير ، باب : ما جاء في الهجرة ، حديث ( 1590 ) ، والدارمي ( 2 / 239 ) كتاب : السير ، باب : لا هجرة بعد الفتح ، وعبد الرزاق ( 5 / 309 ) رقم ( 9713 ) ، وابن الجارود ( 1030 ) ، وابن حبان ( 4845 - الإحسان ) ، والبيهقي ( 5 / 195 ) ، والطبراني في الكبير رقم ( 10944 ) ، والبغوي في ( شرح السنة ) ( 5 / 520 ) من طريق منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح - فتح مكة - : « إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها » فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : « إلا الإذخر » ، وهذا لفظ البخاري . ( 2 ) كما أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن من دخل الحرم مقاتلا وبدأ القتال فيه ، يقاتل ؛ لقوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] . ينظر : تفسير القرطبي ( 7 / 104 ) ، ابن عابدين ( 2 / 256 ) ، والبدائع ( 7 / 114 ) ، جواهر الإكليل ( 1 / 207 ) . ( 3 ) هو : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي صاحب أبي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه ولد بالكوفة سنة 113 ه ونشأ في طلب العلم سمع هشام بن عروة وأبا إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب ، وأخذ عنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشر بن الوليد وغيرهم ، وولى القضاء ببغداد ، وكان أول من دعى قاضى القضاة . من تصانيفه : كتاب الخراج والآثار وغيره ، ومات ببغداد سنة 182 ه . ينظر : طبقات الفقهاء للشيرازى ص 113 ، والبداية والنهاية ( 10 / 180 ) -